أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
658
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ » ، ويجوز أن تكون « أَنِ » موصولة عطفا على بيان الهاء لا بدلا . وتعقّب عليه الشيخ « 1 » كلامه فقال : « أمّا قوله « وأمّا فعل الأمر إلى آخر المنع وقوله : لأنّ اللّه لا يقول اعبدوا اللّه ربي وربكم » فإنما لم يستقم لأنه جعل الجملة وما بعدها مضمومة إلى فعل الأمر ، ويستقيم أن يكون فعل الأمر مفسّرا بقوله : « اعْبُدُوا اللَّهَ » ويكون « رَبِّي وَرَبَّكُمْ » من كلام عيسى على إضمار « أعني » أي : « أعني ربي وربكم » ، لا على الصفة التي فهمها الزمخشري فلم يستقم ذلك عنده ، وأمّا قوله : « لأنّ العبادة لا تقال » فصحيح ، لكن يصحّ ذلك على حذف مضاف أي : ما قلت لهم إلا القول الذي أمرتني به قول عبادة اللّه أي : القول المتضمن عبادة اللّه ، وأمّا قوله « لبقي الموصول بغير راجع إليه من صلته » فلا يلزم في كل بدل أن يحلّ المبدل منه ، ألا ترى إلى تجويز النحويين : « زيد مررت به أبي عبد اللّه » ولو قلت : « زيد مررت بأبي عبد اللّه » لم يجز إلا على رأي الأخفش . وأما قوله « عطفا على بيان الهاء » ففيه بعد ، لأن عطف البيان أكثره بالجوامد الأعلام . وما اختاره الزمخشري وجوّزه غيره لا ، لأنها جاءت بعد « إِلَّا » ، وكلّ ما كان بعد « إِلَّا » المستثنى بها فلا بدّ أن يكون له موضع من الإعراب ، و « أَنِ » التفسيرية لا موضع لها من الإعراب » . انتهى . قلت : أمّا قوله : « إنّ ربي وربكم من كلام عيسى » ففي غاية ما يكون من البعد عن الأفهام ، وكيف يفهم ذلك الزمخشري والسياق والمعنى يقودان إلى أنّ « رَبِّي » تابع للجلالة ؟ ، لا يتبادر للذهن - بل لا يقبل - إلا ذلك ، وهذا أشدّ من قولهم « يؤدي إلى تهيئة العامل للعمل وقطعه عنه » فآل قول الشيخ إلى أنّ « اعْبُدُوا اللَّهَ » من كلام اللّه تعالى و « رَبِّي وَرَبَّكُمْ » من كلام عيسى ، وكلاهما مفسّر ل « أمرت » المسند للباري تعالى . وأما قوله « يصحّ ذلك على حذف مضاف » ففيه بعض جودة ، وأما قوله : « إنّ حلول البدل محلّ المبدل منه غير لازم » واستشهاده بما ذكر فغير مسلّم ، لأنّ هذا معارض بنصّهم ، على أنه لا يجوز « جاء الذي مررت به أبي عبد اللّه » بجرّ « عبد اللّه » بدلا من الهاء ، وعلّلوه بأنه يلزم بقاء الموصول بلا عائد ، مع أنّ لنا أيضا في الربط بالظاهر في الصلة خلافا قدّمت التنبيه عليه ، ويكفينا كثرة قولهم في مسائل : « لا يجوز هذا لأنّ البدل يحلّ محل المبدل منه » فيجعلون ذلك علة مانعة ، يعرف ذلك من عانى كلامهم ، ولولا خوف الإطالة لأوردت منه مسائل شتى . وأمّا قوله : « وكلّ ما كان بعد « إلا » المستثنى به إلى آخره » فكلام صحيح لأنها إيجاب بعد نفي فيستدعى تسلّط ما قبلها على ما بعدها . ويجوز في « أن » الكسر على أصل التقاء الساكنين والضمّ على الاتباع ، وقد تقدّم تحقيقه ونسبته إلى من قرأ به في قوله : فَمَنِ اضْطُرَّ في البقرة « 2 » . و « رَبِّي » نعت أو بدل أو بيان مقطوع عن الاتباع رفعا أو نصبا ، فهذه خمسة أوجه تقدّم إيضاحها . قوله : شَهِيداً خبر « كان » ، و « عَلَيْهِمْ » متعلق به ، و « ما » مصدرية ظرفية أي : تتقدّر بمصدر مضاف إليه زمان ، و « دام » صلتها ، ويجوز فيها التمام والنقصان ، فإن كانت تامة كان معناها الإقامة ، ويكون « فِيهِمْ » متعلقا بها ، ويجوز أن يتعلّق بمحذوف على أنه حال ، والمعنى : وكنت عليهم شهيدا مدة إقامتي فيهم ، فلم يحتج هنا إلى منصوب ، وتكون حينئذ متصرفة ، وإن كانت الناقصة لزمت لفظ المضيّ ولم تكتف بمرفوع ، فيكون « فِيهِمْ » في محلّ نصب خبرا لها ، والتقدير : مدة دوامي مستقرا فيهم ، وقد تقدم أنه يقال : « دمت تدام كخفت تخاف . قوله : « كُنْتُ
--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 4 / 61 ) . ( 2 ) انظر تفسير الآية ( 173 ) .